الحارث المحاسبي
104
الرعاية لحقوق الله
باب معرفة التذكر بمعرفة أحواله قلت : فبم يعرفها ؟ قال : يعرفها بتذكّر ساعاته فيما مضى من أيامه ، فإنه لا يعرفها إلّا بذلك ، ويتذكّر أحواله في ساعاته فيما مضى من عمره ؛ كيف كان فيها ؟ من حقّ ضيعه ، أو ذنب قد ركبه ، فيعرض أيامه الخالية في عمره وأحواله في أيامه ، وحركاته وسكونه وضميره في أحواله ، فيذكر غضبه ورضاه ؛ كيف كان فيه ؟ ومحبّته وبغضه واكتسابه وإنفاقه وإمساكه ، وردّ ما كان عليه من حق ، وأخذه ما كان له عند غيره كيف كان ، أخذه بالحق أم بغيره ؟ ومنطقه ولحظة استماعه وخطاه برجله ، وبطشه بيده ، ومظالم العباد عنده في أموالهم وأعراضهم ، وحقوق من يجب له عليه الحقّ من أقربائه وغيرهم . فيتذكّر تذكّر من يريد الطهارة قبل لقاء اللّه عزّ وجلّ ، ويتذكر مظالم العباد عنده تذكّر من أوقف نفسه للقصاص قبل القصاص بين يدي اللّه عزّ وجلّ . فإذا تذكر كيف كان منذ أصبح إلى أن أمسى في جميع هذه الأحوال ؟ وكيف كان إذا أمسى إلى أن أصبح ، فعرض كل جارحة على حيالها في عمل ليله ونهاره ، وكيف كان قلبه في أعماله الصالحة ، ما كان يريد بها ، وعلى ما كان يدور ، وما الذي كان يبعثه على الأعمال ، وكيف كانت عقود ضميره من الحسد على الدين وغيره ، وجميع أعمال قلبه ؟ - ذكر « 1 » حقوقا كثيرة للّه عزّ وجلّ ضيّعها ، كلما ذكر حقّا قد ضيّعه هاج الندم من قلبه ، لما
--> ( 1 ) هذا جواب الشرط السابق « فإذا تذكر . . . » .